ابن عربي
9
ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق
مسكنها جياد وبيتها من العين السواد ومن الصدر الفؤاد أشرقت بها تهامه ، وفتح الروض لمجاورتها أكمامه ، فنمت أعراف المعارف ، بما تحمله من الرقائق واللطائف ، علمها عملها ، عليها مسحة ملك وهمة ملك ، فراعينا في صحبتها كريم ذاتها مع ما انضاف إلى ذلك من صحبة العمة والوالد ، فقلدناها من نظمنا في هذا الكتاب أحسن القلائد بلسان النّسيب « 1 » الرّائق ، وعبارات الغزل اللائق ، ولم أبلغ في ذلك بعض ما تجده النفس ، ويثيره الأنس ، من كريم ودّها ، وقديم عهدها ، ولطافة معناها ، وطهارة مغناها « 2 » ، إذ هي السؤال والمأمول ، والعذراء البتول « 3 » ، ولكن نظمنا فيها بعض خاطر الاشتياق ، من تلك الذخائر والأعلاق ، فأعربت عن نفس توّاقة ، ونبهت على ما عندنا من العلاقة ، اهتماما بالأمر القديم ، وإيثارا لمجلسها الكريم ، فكل اسم أذكره في هذا الجزء فعنها أكنّي ، وكل دار أندبها فدارها أعني ، ولم أزل فيما نظمته في هذا الجزء على الإيماء إلى الواردات الإلهية ، والتنزّلات الروحانية ، والمناسبات العلوية ، جريا على طريقتنا المثلى ، فإن الآخرة خير لنا من الأولى ، ولعلمها رضي اللّه تعالى عنها بما إليه أشير ، ولا ينبئك مثل خبير ، واللّه يعصم قارىء هذا الديوان من سبق خاطره إلى ما لا يليق بالنفوس الأبيّة ، والهمم العلية ، المتعلقة بالأمور السماوية ، آمين بعزة من لا رب غيره ، واللّه يقول الحق وهو يهدي السبيل . [ سبب شرحه للأبيات ] وكان سبب شرحي لهذه الأبيات أن الولد بدرا الحبشي والولد إسماعيل بن سودكين سألاني في ذلك ، وهو أنهما سمعا بعض الفقهاء بمدينة حلب ينكران هذا من الأسرار الإلهية ، وأن الشيخ يتستر لكونه منسوبا إلى الصلاح والدين ، فشرعت في شرح ذلك ، وقرأ عليّ بعضه القاضي ابن العديم « 4 » بحضرة جماعة من الفقهاء ، فلما سمعه ذلك المنكر الذي أنكره ثاب إلى اللّه سبحانه وتعالى ، ورجع عن الإنكار على الفقراء وما يأتون به في أقاويلهم من الغزل والتشبيب « 5 » ، ويقصدون في ذلك الأسرار الإلهية ، فاستخرت اللّه تعالى تقييد هذه الأوراق ، وشرحت ما نظمته بمكة المشرفة من الأبيات الغزلية في حال اعتماري في رجب وشعبان ورمضان أشير بها إلى معارف ربانية ، وأنوار
--> ( 1 ) النسيب : رقيق الشعر في النساء . ( 2 ) المغنى : المنزل الذي غني به أهله ( ج ) مغان . ( 3 ) البتول : ( من النساء ) : العذراء المنقطعة عن الزواج إلى اللّه . ( 4 ) هو عمر بن أحمد بن هبة اللّه بن أبي جرادة العقيلي ( 588 - 660 ه - 1192 - 1262 م ) كمال الدين ابن النديم ، مؤرخ ، محدث ، من الكتّاب ، ولد بحلب ، ورحل إلى دمشق وفلسطين والحجاز والعراق وتوفي بالقاهرة . من كتبه « بغية الطلب في تاريخ حلب » و « سوق الفاضل » و « الدراري في الذراري » وغير ذلك . الأعلام 5 / 40 ، وإرشاد الأريب 6 / 18 ، والجواهر المضية 1 / 386 ، والنجوم الزاهرة 7 / 208 . ( 5 ) شبّب بالمرأة تشبيبا : تغزّل بها ووصف حسنها ، وشبب شعره : رقّق أوله بذكر النساء .